نتواصل لأجل أطفال سعداء
We Communicate For Happy Children

2023 عامٌ قياسيّ لتهجير أطفال العالم والأزمةُ تتفاقم - غزّة والسودان وسوريا والصومال على رأس اللائحة

 

إعداد: قسم الإعلام والتواصل في «الشبكة العربيّة للطفولة المبكّرة»

(الاثنين، 15 تموز 2024)

«ملايين العائلات تمزّقت حياتُها بسبب النزاعات والعنف. لم يسبق لنا على الإطلاق أن سجّلنا هذا العدد الكبير من الأشخاص الذين أُجبروا على ترك منازلهم ومجتمعاتهم».

(يان إيغلاند، الأمين العام لـ«المجلس النرويجي للّاجئين»، 14 أيار/ مايو 2024). 

مع اشتداد الصراعات والنزاعات والاضطهاد والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان والأطفال، سجّل نهاية عام 2023 رقمًا قياسيًّا في أعداد النازحين قسرًا، سواءً داخليًّا أم خارجيًّا. بلغ هذا الرقم 117 مليونًا و300 ألف نسمة، وفق «مفوّضيّة الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين» UNHCR. وبينما يمثّل الأطفال (تحت سنّ 17 عامًا) 30% من سكّان العالم، يشكّل هؤلاء 40% من جميع النازحين قسرًا في العالم، وفق المفوّضيّة، أي ما يقارب 47 مليونًا. وقد رفعت منظّمة «أنقِذوا الأطفال» هذه الأرقام مع نهاية العام الماضي إلى أكثر من 50 مليونًا، أي ما يعادل 29 ألف طفلٍ مهجّرٍ يوميًّا.

بحسب منظّمة «اليونيسف»، في تصريحٍ العام الماضي، «ازداد عددُ الأطفال المهجّرين قسريًّا من منازلهم بمقدار الضعفين خلال العقد الماضي»، مقارنةً مع حوالي 20 مليونًا و600 ألف في 2010، وبمعدّل أسرع من عدد النازحين البالغين، وفق «أنقِذوا الأطفال». 

على أنّ المشكلة لا تنحصر في ارتفاع الأرقام بشكلٍ مضطرد، بل تتعدّاها إلى ثلاث قضايا أساسيّة هي: 

أولاً: الحاجات المصاحِبة لنزوح الأطفال ولجوئهم والأزمات المتولّدة عن ذلك، وأبرزها ما لخّصته «أنقِذوا الأطفال» بالآتي: 

  • عدم وجود ما يكفي من الطعام
  • انعدام فرص التعليم أو قلّتها 
  • قلّة فرص الحصول على الرعاية الصحّية 
  • التعرّض إلى سوء المعاملة والعنف 
  • الحاجة إلى الدعم النفسي والاجتماعي بعد الأحداث التي شهدها الأطفال 
  • إجبار الصعوبات الماليّة الأطفال على ممارسة أنشطة خطيرة، بما فيها الجريمة أو عمالة الأطفال أو الاستغلال الجنسيّ أو الانضمام إلى الجماعات المسلّحة

ثانيًا: ضعف الاستجابة على المستويَين الحكومي وغير الحكومي تماشيًا مع ارتفاع الأرقام. وقد عبّرت «اليونيسف» عن هذه المعضلة العامَ الماضي بـ«تجاوز التسارع مدى الجهود المبذولة لإدماج الأطفال اللّاجئين والمهجّرين وحمايتهم»، وبـ«مواجهة القدرة العالميّة للاستجابة إجهادًا خطيرًا، وضعف الاستجابة في العديد من الحكومات لضمان استمرار حصول كلّ طفل لاجئ ومهجّر على خدمات التعليم والصحّة وأن ينمو ليحقّق إمكاناته الكاملة».

ثالثًا: غياب الأطفال، إلى حدٍّ كبير، عن بيانات النزوح ممّا يجعل من الصعب فهم احتياجاتهم وتطلّعاتهم وإمكاناتهم وتحديد السياسات والبرامج المناسبة للاستجابة. وهو ما ذكرته «أنقِذوا الأطفال» في بياناتها خلال شهر شباط/ فبراير من العام الحاليّ.

لفهم الصورة بشكلٍ أدقّ، عودةٌ إلى الأرقام العامّة. في تقريرٍ مفصّل لـ«مفوّضيّة الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين»، يُظهر النزوحُ القسريّ نهاية 2023 ارتفاعًا بنسبة 8%، أو ما يمثّل 8 ملايين و800 ألف شخص بالمقارنة مع نهاية 2022، و58 مليون شخص خلال تسع سنوات. وفي السياق، تشير المفوّضية إلى نزوح شخص من بين كلّ 69 شخصًا على مستوى العالم، أو 1.5% من سكّان العالم. ويمثّل هذا الرقم حوالي ضعف عدد النازحين منذ عقدٍ من الزمن، والذي كان حينها يمثّل شخصًا من بين كلّ 125. كما توضح أنّ حوالي 3 من كلّ 4 لاجئين، أي ما نسبته 73%، جاؤوا من خمس دول فقط هي سوريا والسودان وأفغانستان وفنزويلا وأوكرانيا.

يركّز التقرير بشكلٍ أساسيّ على تحليل اتّجاهات النزوح القسريّ والتغييرات التي أحاطت به، مغطّيًا الفترة الممتدّة من كانون الثاني/ يناير إلى كانون الأوّل/ ديسمبر 2023. وتستند أغلب بيانات التقرير على المعلومات الواردة حتى 17 أيار/ مايو 2024، ما لم تتمّ الإشارة إلى العكس من ذلك. 

وبحسب التقرير، 75% من النازحين قسرًا تستضيفهم بلدان ذات دخل منخفض ومتوسّط، بينما 69% من هؤلاء تستضيفهم الدول المجاورة لبلدانهم. في الإطار، يحوز لبنان على المرتبة الثانية عالميًّا في استضافة اللاجئين (1 من كلّ 6 أشخاص)، بينما يأتي الأردن في المرتبة الخامسة (1من كلّ 16 شخصًا). 

 

أطفال البلدان العربيّة الأكثر تأثّرًا 

بحسب «مرصد رصد النزوح الداخلي» IDMC، سجّل النزوح الداخلي القسريّ رقمًا قياسيًّا نهاية 2023 بلغ 75 مليونًا و900 ألف شخص، 68 مليونًا و300 ألف منهم نزحوا بسبب النزاعات والعنف، بينما نزح 7 ملايين و700 ألف بسبب الكوارث الطبيعيّة. وكان المرصد ذكر في تقريره العالميّ السنويّ، الصادر في 14 أيار/ مايو 2024، أنّ أعداد النازحين داخليًّا ارتفعت بنسبة 50% خلال السنوات الخمس الأخيرة، مشيرًا إلى أنّ أكبر زيادة حصلت خلال عامَي 2022 و2023. 

في السياق، تؤكّد «مفوّضيّة الأمم المتّحدة لشؤون اللّاجئين» بقاء أغلب النازحين قسرًا داخل بلدانهم (58% مع نهاية 2023). وتوضح أنّ السودان يشكّل أعلى حصيلة للنازحين القسريّين داخليًّا تمّ تسجيلها على الإطلاق. ويسجّل إقليم دارفور أعلى نسبة نزوح تجاوزت ثلاثة ملايين نسمة حتى 30 حزيران/ يونيو 2024. وبحسب «أنقِذوا الأطفال» كان الأطفال في السودان والصومال الأكثر تأثّرًا بموجات النزوح القسريّ (نهاية 2023). 

في المجمل، سجّل السودان، حتى 30 حزيران/ يونيو الحالي، نسبة نزوح داخلي وخارجي تجاوزت 10 ملايين نسمة، وهي أعلى من مجموع النازحين في السنوات الـ14 السابقة لذلك مجتمعةً. وبحسب UNHCR، وصل عدد اللّاجئين من السودان إلى البلدان المجاورة وطالبي اللّجوء إلى مليون و800 ألف نسمة، في ارتفاعٍ بـ820 ألفًا على الأقلّ عن العام الماضي. وقد لجأ أغلب هؤلاء إلى البلدان المجاورة بما فيها جنوب السودان ومصر وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وإثيوبيا. كما أنّ بعضَهم عاد إلى منزله أو موطنه في ظروفٍ سيّئة للغاية. 

ووفق أرقام UNHCR، تستقبل تشاد أعلى نسبة لاجئين وطالبي لجوء من السودان تجاوزت 600 ألف نسمة حتى 28 حزيران/ يونيو من العام الحاليّ. يأتي هذا في وقتٍ كان يعاني السودان في الأصل من وضعٍ إنسانيٍّ مزرٍ مع وجود حوالي ثلاثة ملايين و600 ألف نازح داخلي قبل اندلاع النزاع الحاليّ، ومليون لاجئ، بالحدّ الأدنى، من خارج السودان، بشكلٍ أساسيّ من جنوب السودان وسوريا وإرتريا وإثيوبيا. 

ومع استمرار الاقتتال، يستمرّ نزوح الآلاف يوميًّا داخل البلاد وخارجها. وسط هذا الواقع، يسجّل السودان أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم مع حوالي ثلاثة ملايين طفل نازح بحاجة ماسّة إلى دعمٍ لا يسدّ الفجوة المتفاقمة. 

أمّا في قطاع غزة الذي يشهد إبادةً منذ أشهر، مثّلت حركة النزوح خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2023 حوالي 17% من إجمالي حالات النزوح بسبب النزاع في العالم خلال 2023، وفق «مرصد رصد النزوح الداخلي». وبحسب تقديرات «الأونروا»، ثلثا اللاجئين الفلسطينيّين الذين يشملهم تفويضُها في القطاع أصبحوا نازحين داخليًّا نهاية العام الماضي، مع اضطرار مئات الآلاف إلى النزوح قسرًا لمرّاتٍ عدّة. وتجدر الإشارة إلى أنّ سلطات الاحتلال الإسرائيليّ تستمرّ، مرارًا وتكرارًا، بالتهجير القسريّ لمئات آلاف النازحين، ومن بينهم أطفال، من مناطقَ وأحياء ومراكز إيواء عدّة. آخرُ هذه الأوامر طال أحياءً في مدينة غزّة بحجّة القيام بعمليّة عسكريّة. وقد أعرب «مكتب الأمم المتّحدة لحقوق الإنسان»، في 9 تموز/ يوليو الحالي، عن الاستياء إزاء صدور هذه الأوامر، قائلاً «لم يتبقَّ للفلسطينيّين في غزّة مكانٌ آخرٌ يمكن أن يلجؤوا إليه». 

وانتقد المكتب تكثيفَ الضربات الإسرائيليّة على جنوب مدينة غزّة وغربها، وهي المناطق نفسُها التي أمر الجيشُ الإسرائيليّ السكانَ بالانتقال إليها. كما استهدف الجيش، وفق تأكيده، مقرّ وكالة «الأونروا» غرب مدينة غزّة في 8 تموز/ يوليو الحالي، المنطقة التي طُلب من السكان الانتقال إليها مرّةً أخرى. ومنذ بداية الإبادة، شهدت مناطق موصوفة بالآمنة مجازرَ إسرائيليّة بحقّ سكّان ونازحين راح ضحيّتها الآلاف، ومنهم أطفال. كما تتواتر الخرائط المتضاربة التي ينشرها الجيش الإسرائيليّ والتي تأمر النازحين بالتوجه إلى جهاتٍ «آمنة»، ما سبّب إرباكًا لدى السكّان فتحرّكوا باتّجاهاتٍ متضاربة. أمّا في الضفّة الغربيّة المحتلّة، فقد سجّل 2023 عامًا قياسيًّا لتهجير أطفالها، إلى جانب القتل من قِبل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، مسلّحين وغير مسلّحين، وحالات الاعتقال. 

سوريًّا، تستمرّ المأساة المندلعة منذ سنوات، إذ «ما زال التهجير أحد أشدّ العواقب الوخيمة والممتدّة

للحرب»، وفق تعبير «هيومن رايتس ووتش». وقد سجّلت أرقام UNHCR ارتفاعًا في أعداد المهجّرين داخل البلاد وخارجها بلغت 174 ألفًا لتقف على عتبة 7 ملايين و200 ألف نهاية العام الماضي. أمّا في المجمل، فقد بلغ عدد النازحين واللّاجئين السوريّين نهاية العام الماضي 13 مليونًا و800 ألف موزّعين على 137 دولة.

في شمال شرق سوريا، ما زال يعيش مئات آلاف النازحين داخليًّا في مخيّمات وملاجئ مؤقّتة مكتظّة تعاني من نقص الموارد، وبعضُها لا يتلقّى مساعدات مستدامة أو كافية، بحسب «هيومن رايتس ووتش». وفي سياق تفاقم النقاش حول ملفّ اللّجوء السوري والاضطرابات التي شهدتها بعض الدول المضيفة، آخرُها الاعتداءات في قيصري التركيّة وغيرها من المناطق وترحيل بعض العائلات على إثرها، كانت منظّماتٌ دوليّة وثّقت ترحيل عائلات سوريّة بشكل قسريّ وغير قانونيّ من بعض الدول على مدى سنوات، منها تركيا. كما كانت «هيومن رايتس ووتش» قد وثّقت عام 2023 ترحيل لبنان آلاف السوريّين إلى سوريا بشكل غير قانونيّ، من بينهم عائلات وأطفال غير مصحوبين بذويهم. 

باختصار، لخّصت «اليونيسف»، في نيسان/ أبريل الحالي، وضعَ الأطفال السوريين، النّازحين تحديدًا، بالآتي: إنّ الدورات المتكرّرة من العنف والنزوح، والأزمة الاقتصاديّة الطاحنة والحرمان الشديد، وتفشّي الأمراض والزلازل المدمّرة في العام الماضي، تركت مئات الآلاف من الأطفال عرضةً لآثار جسديّة ونفسيّة- اجتماعيّة طويلة المدى.

بالانتقال إلى الصومال، شكّل الأخير إحدى أكثر خمس دول شهدت أعلى نسبة من حالات النزوح الجديدة بسبب الصراع أو العنف العام الماضي، إلى جانب السودان وسوريا والكونغو وميانمار. وكان أطفاله أيضًا من بين الأكثر تأثّرًا بموجات النزوح القسريّ، إلى جانب السودان، نهاية 2023. وبحسب UNHCR، 66% من النازحين داخليًّا في الصومال هم من الأطفال، مشكّلاً واحدةً من الدول التي سجّلت أعلى نسبة من الأطفال بين السكّان النازحين داخليًّا. 

وبحسب Network Against Food Crises، 39% من السكان (6 ملايين و600 ألف) يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائيّ الحادّ، من بينهم مليونان و500 ألف نازح داخليّ. كما أنّ مليونًا و800 ألف طفل دون سنّ الخامسة كانوا يعانون من سوء التغذية الحادّ مع نهاية آب/ أغسطس 2023. 

بين الحروب والصراعات والنزاعات المسلّحة والإبادات والكوارث الطبيعيّة وغير الطبيعيّة، يشكّل الأطفال الصغار دائمًا الحلقةَ الأضعف. قد لا يمنح تتبّع مسار صعود أرقام المهجّرين على مدى عقود أملاً، فالحروب تتزايد والأطفال يزدادون تشرّدًا، غير أنّ الأمل يأتي من العمل الجادّ على حماية الأطفال المهجّرين وتلبية حاجاتهم ومقدّمي الرعاية لهم، وتلبية حقوقهم التي نصّت عليها «اتفاقية حقوق الطفل» ببنودها كاملةً.